أحمد التيجاني

author-picture

محمد الهادي الحسني

لا أقصد في هذه الكلمة الشيخ أحمد التيجاني صاحب الطريقة، فذلك توفاه الله – عز وجل – في عام 1815 بمدينة فاس بالمغرب الأقصى، وإنما أقصد سميّه أحمد التيجاني، الذي توفاه الله – عز وجل – في سنة 1401هـ (1980 – 1981م).

كنت أعرف أن ثلاثة جزائريين عملوا في القصر الملكي في المغرب، وقد وصلوا إلى ذلك المكان بوسائلهم الخاصة، أو وضعتهم فرنسا فيه ليكونوا عيونا وآذانا لها، تعرف من خلالهم ما يجري في ذلك القصر مما قد يضرّ وجودها في المغرب، وهؤلاء الثلاثة هم: محمد معمري، وأحمد التيجاني، وقدور ابن غبريط.

فأما الإثنان الأولان فيبدو أنهما لم يكونا "قابلين للاستخدام"، وكانت فيهما بقية من المروءة والشرف والوطنية، فلم يكونا "خادمين" لفرنسا، ولم تنل منهما – فيما علمنا – شيئا، ويدل على ذلك ذكرهما الطيب عند إخواننا المغاربة، إذ لم أقرأ أو أسمع ما يطعن في شرفهما الديني والوطني، بل إنهما لقيا من فرنسا كل ما يلقاه كل وطني شريف، لا يبيع دينه وقومه بعرض من الدنيا.

وأما الثالث- قدور ابن غبريط – فقد عرفت فيه فرنسا "القابلية للاستخدام"، ولو لم تستخدمه "لاحتج" عليها، لأنه لا يكون إلا خادما، وهو في خدمته لفرنسا أكثر إخلاصا لها من أبنائها، وقد استخدمته في المغرب ابتداء بالضغط على السلطان عبد الحفيظ للتوقيع على "معاهدة" الاستعمار التي سمتها "معاهدة الحماية"، إلى نقله إلى باريس للإشراف على المسجد الذي بنته لتتجسّس من خلاله على الوطنيين من أبناء المغرب العربي.

وقد سبق أن تناولت بالكتابة كلا من الشيخ محمد معمري وابن غبريط، وذكرت كل واحد منهما بما هو أهله من المدح للأول والقدح للثاني، وبقيت أبحث في المصادر التي تحت يدي، وسألت بعض الأساتذة علنّي أظفر بطرف من أخبار الثالث، الذي هو أحمد التيجاني، وقد زاد من إلحاحي على معرفة جزء من حياته أني وجدت اسمه ضمن كتاب جريدة "البصائر"، بل وجدت في أحد أعدادها أنه يشير إلى كونه "أحد أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين". (البصائر في 28/8/1936. ص 5)، كما وجدت أن الجريدة نفسها وصفت الشيخ أحمد التيجاني في أحد أعدادها عندما كانت تحت إشراف الشيخ الطيب العقبي بـ "الأستاذ القرآني، والشيخ الرباني". (البصائر في 28/2/1936. ص 2)، وبأنه "أحد أركان الإصلاح، المترجم بإدارة الشؤون الشريفة". (البصائر في 10/7/1936 ص 6) وبـ "الإمام" وهي أوصاف تدل على مكانته الدينية والوطنية. وكان يوقع مقالاته في البصائر باسم "أبو العباس أحمد بن الهاشمي".

لقد لفت نظري إلى الأستاذ أحمد التيجاني مقال "نشره في جريدة البصائر في 21/2/1936 تحت عنوان: "بعد غربة اللغة العربية أصبحنا نخشى على اللغة الدارجة"، وكأنه كان يتشرف المآل الذي ستؤول إليه هذه اللغة الشريفة على يد "العاقين" من "أبنائها" الذين يرمونها بما فيهم من نقيصة وعجز، ولأنها لغة طاهرة، وهم يريدونها لغة "مواخير"، ويتسترون في ذلك باسم "الواقعية"، كما لفت نظري إليه مقالان نشرهما تحت عنوان "المستشرقون والقرآن".

وقد علمت فيما بعد أنه والد الأستاذ الدكتور الهاشمي التيجاني الذي تتلمذت عليه في السنة الأولى في كلية الآداب بجامعة الجزائر، وقد درسنا كتابا قيما اسمه "قصة الإيمان بين العلم والفلسفة والقرآن"، لأحد علماء طرابلس الشام، هو الشيخ نديم الجسر، ومنذ بضعة أيام كنت أبحث في قضية "النسخ" في القرآن الكريم فيما تحت يدي من مراجع، ومنها كتاب "مذهب النسخ في التفسير وأبعاده الاجتماعية" لأستاذي الدكتور الهاشمي التيجاني، فوجدت فيه تعريفا مختصرا لوالده الشيخ أحمد التيجاني، لأنه أحد الخائضين في هذه القضية، وهو "ينفي النسخ في القرآن نفيا لاهوادة فيه". (الهاشمي التيجاني: مذهب النسخ في التفسير وأبعاده الاجتماعية. ج 1. ص 72).

ولد أحمد بن محمد التيجاني في بلدة عين ماضي – ولاية الأغواط – في عام 1297هـ، وهو ما يوافق (1881- 1882م).. ولا أعلم إن كانت له قرابة بالشيخ أحمد التيجاني، صاحب الطريقة التيجانية. وحتى إن كانت هناك قرابة دموية بينه وبين الشيخ أحمد التيجاني فهو لا ينتمي إلى طريقته، ولا إلى أي طريقة أخرى، بل هو إلى "الفكر الإصلاحي" أنسب، يدل على ذلك عضويته في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

وقد حفظ القرآن الكريم في بلدته، ثم أخذ نصيبا من مبادئ اللسانين العربي والفرنسي، أهّله للالتحاق بالمدرسة الثعالبية في مدينة الجزائر، وهي ثالث ثلاثة مدارس أسستها فرنسا في أواسط القرن التاسع عشر لتكوين من تحتاجهم في الإفتاء، والقضاء، والترجمة، تخرج أحمد التيجاني في قسم القضاء، ومارسه في كل من البرواقية والعين البيضاء، ولكن الإدارة الفرنسية لم تلاحظ عليه إظهار شواهد الإخلاص لها، بل لاحظت أنه كان متصل الأسباب بمن كانوا يمارسون النشاطات السياسية كالأمير خالد بن الهاشمي، والصادق دندان، ومحمد ابن رحال، وقد عرفوا بوطنيتهم ومعارضتهم للسياسة الفرنسية نحو الجزائريين.. وانتهى الأمر إلى نفي أحمد التيجاني إلى مسقط رأسه، عين ماضي، وهي يومئذ بلدة صغيرة لا تسمح بأي نشاط سياسي..

وفي سنة 1334 (1919م) هاجر إلى المغرب الأقصى، وكان قد احتل من طرف فرنسا، فعمل في الدواوين الحكومية، خاصة وأنه يتقن اللسانين، وتعرف على جزائري آخر، هو محمد معمري، فاتخذهما السلطان يوسف معلمين لأبنائه، خاصة ابنه محمد، الذي سيصبح سلطانا للمغرب تحت اسم "محمد الخامس"، كما اتخذهما هذا معلمين لأبنائه، ومنهم "الحسن الثاني".. وقد انزعجت السلطات الفرنسية من أفكاره وصلاته لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين فنفته من الرباط إلى مراكش، ثم إلى آسفي، ثم إلى الدار البيضاء، ولم تسمح له بالعودة إلى الرباط إلا في سنة 1361 هـ (1942م)، وذلك قبل إحالته على التقاعد.. لقد ترك الشيخ أحمد التيجاني تراثا يحتاج إلى إعادة نشره، فقد كتب في مجلة الشهاب للإمام عبد الحميد ابن باديس، وكتب في جريدة الإصلاح للشيخ الطيب العقبي، وجريدة البصائر لسان حال "جمعية العلماء"، وله إسهامات في مجلات مغربية، مثل الإرشاد، والإيمان، ودعوة الحق.. وقد ترجم إلى اللسان الفرنسي بعض قوانين محمد ابن جزي الكابي، ومختصر الشيخ خليل، ورسالة ابن أبي زيد القيرواني، إلا أن أهم عمل قام به هو ترجمة معاني القرآن الكريم بالاشتراك مع المستشرق الفرنسي أوكتاف بل، وهو شقيق المستشرق ألفرد بل، مدير "مدرسة" تلمسان.

انتقل الشيخ أحمد التيجاني إلى الباقية من الفانية في سنة 1401هـ (1980 – 1981م)، ولم يعط الدنيّة في دينه ولا في وطنه كما فعل بعض السفلة الذين كان شغلهم الشاغل وهمّهم الدائم إرضاء فرنسا ولو أغضبوا الله -عز وجل- فغضب الله عليهم، وحشرهم مع مخدوميهم.

algeriepress

اقرأ الخبر من المصدر

0.00 من 5.00 - 0 أصوات

تابع
آخر الأخبار
عبر بريدك الإلكتروني