“الدياليز” حولنا إلى أشباح ونتمنى الموت ألف مرة

أجساد نحيلة لا تتذكر من أيامها سوى ساعات تمددها على السرير وأجهزة وأنابيب لصيقة بها وكثير من الألم والمرارة التي تعتصر قلبها.. إنهم مرضى القصور الكلوي المرتبطة حياتهم بآلات تصفية الدم والدياليز لمدّة تجاوزت العشرين عاما.. رجال ونساء وأطفال عجزت كليتهم وتنكر لهم المجتمع الذي رفض التبرع لهم فلا الأحياء بادروا ولا الأموات تنازلوا لتبقى المعاناة والألم يعتصر قلبهم قبل جسدهم.

"الشروق" وقفت على يومياتهم في مصلحة أمراض الكلى بمستشفى نفيسة حمود بارني سابقا ونقلت صورة مصغرة لاستغاثات قالوا إنهم متيقنون من عدم وجود استجابة لها.

عندما دخلنا القاعة كان الصمت يعم المكان، الأوجه شاحبة والأجساد نحيلة ولم يكن الحديث إلى هؤلاء المرضى سهلا، فالجميع يرفض بحجة أن الكلام لم يعد ينفع وأنهم وحدهم من يعانون في صمت بعد أن تخلى عنهم الجميع وخذلهم، حتى الأقارب يتفرجون عليهم وفي أحسن الحالات يظهرون الشفقة والعطف ويتذكرونهم بزيارة من حين لآخر.

أوّل المرضى رفض الحديث إلينا رغم الإلحاح الكبير، أما الثاني فاستطعنا إقناعه بعد أن وعدناه بعدم الكشف عن هويته، جاء من ولاية ورقلة وعمره لا يتعدى الـ 25 عاما يقول إن التصفية أرهقته وأتعبته، لكنه ينتظر فرج الله بزرع كلية في القريب العاجل وإلى أن يحين ذلك الوقت فهو متمسك بالصبر.

مريض آخر قال لنا إنّه شهد على وفاة العديد من المرضى الذين لم يجدوا متبرعا لهم وأضاف "لقد تحولنا إلى مواضيع طبية وإعلامية لكن في الحقيقة لا أحد استطاع مساعدتنا" ويختم بالقول "لاترحمونا نحن الكبار فقد تعودنا واقتربنا من القبر وحياتنا مرهونة بهذه الآلة، ويشير إلى جهاز التصفية ارحموا هؤلاء الأطفال الذين ينتظرهم العذاب والمصير المجهول".

ليس سهلا أبدا على هؤلاء تحمل مشقة العلاج الذي رهن حياتهم بآلة يرتبطون بها 4 ساعات في اليوم و12 ساعة في الأسبوع بمعدل 3 حصص علاجية في الأسبوع، وكما قال أحدهم أعمارنا تنقضي داخل قاعات العلاج ولا منقذ لنا سوى إيماننا بالله وبقدرته.

وحسب ما وقفنا عليه فإن التكفل النفسي أمر مطلوب جدا لمثل هؤلاء المرضى، سيما الأطفال منهم الذين انعزلوا عن الآخرين وباتوا يرفضون الحديث أو حتى التواصل مع أقربائهم حرجا من وضعهم وحالتهم الصحية.

تلاميذ ينقطعون عن التمدرس وعمّال يحالون على البطالة

ليس هيّنا أن ترتبط حياة الإنسان بآلة تصفية لمدة أربع ساعات كاملة في اليوم وعلى مدار 3 مرات في الأسبوع.. وضع مأساوي عمّق معاناة المرضى، فالأطفال المتمدرسون انقطعوا عن دراستهم بسبب التغيب المتكرر عن أقسامهم وتضييعهم للعديد من الدروس التي لا يستطيعون تعويضها لاحقا رغم المحاولات والمجهودات التي يبذلها البعض.

وعلى نفس النحو فقد كثير من العمال مناصبهم في العمل لذات السبب، سيما من يعمل في القطاع الخاص، بينما أحيل آخرون على مهام أخف ومنهم من اختار التقاعد المسبق.

أطفال يحرمون من الاستحمام والسباحة واللعب

يوميات أطفال القصور الكلوي تختلف عن بقية الأطفال، فهم لا يستطيعون التنطط واللعب بسبب الآثار الجانبية للمرض ولا يمكنهم الاستحمام جيدا ولا السباحة في فصل الصيف بسبب الأنبوب المثبت في جسمهم "الكات آيير" منعا لأي تعفن أو اهتراء قد يلحق به، حسب ما صرّح به الأولياء الذين التقيناهم و أكّده لنا المختصون.

وحسب البروفيسور طاهر ريان رئيس مصلحة أمراض الكلى في مستشفى بارني فإن التعفن أكثر ما يهدد المرضى من هذا النوع ولذا وجب الحذر والحيطة والانتباه.

المرض جمع شملهم وزيجات بين المرضى..

سجّلت العديد من مصالح أمراض الكلى في الجزائر تقاربا عاطفيا بين المرضى والمريضات، انتهت بعض هذه العلاقات بزيجات ناجحة إلى غاية الآن، حسب ما أكّده البروفيسور ريان وكشف المتحدث عن تعارف بعض المرضى في قاعات الانتظار وارتباطهم فيما بعد، واستشهد المتحدث بمثال آخر في ولاية تيزي وزو أين خضع الزوجان لعملية زرع كلى، حيث تزوجا فيما بعد.

مركز دياليز للأطفال مطلب ملح لإنقاذ مستقبل البراءة

كشف البروفيسور ريان عن تقديم مقترح خاص لإنشاء مركز دياليز خاص بالأطفال لتوفير جو يحفظ لهم حقوقهم في التمدرس والرعاية الخاصة، سيما وأنّ عددهم لا يتجاوز الـ10 بالمائة على مستوى الوطن و50 طفلا فقط في ولاية الجزائر.

وأشار ريان إلى وجود مركز وحيد ضمن هذا الاختصاص يقع في ولاية وهران استطاع تحقيق نتائج جيّدة وضمن تمدرس العديد من الأطفال.

أجهزة الدياليز في الجزائر انتهت صلاحيتها

تجاوزت أغلب آلات وأجهزة تصفية الدم في مصالح الكلى صلاحيتها، حيث يفوق عمرها العشر سنوات، بينما يتطلب الأمر تغييرها بعد 7 سنوات من الخدمة.

وجهنا السؤال لرئيس المصلحة في بارني فلم ينكر الأمر، وأكد ضرورة تغيير بعض التجهيزات القديمة والتي تتعرض لأعطاب بين الحين والآخر، مؤكدا تقدّمه بطلب للإدارة منذ أزيد من عام في هذا السياق حتى محطة تصفية المياه أصبحت قديمة ويجب تغييرها يضيف البروفيسور ريان.

المتحدث قال إنه أبلغ المعنيين ورفعت المسؤولية عن نفسي والكرة الآن في مرماهم لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

بعض الأطباء الذين تحدثنا إليهم في مصالح الدياليز أكدوا لنا أن أغلب الدول تتداول الآن الجيل الرابع من الأجهزة، بينما لازلنا في بلادنا نعمل بأجهزة الجيل الأول والثاني.

بدورهم استاء العديد من المرضى من الأعطاب المتكررة التي تحول دون استفادتهم من حصتهم العلاجية ما يجعلهم يعودون أدراجهم خائبين وفي أفضل الحالات يطلب منهم العودة ليلا.

اختلاط بين المرضى والفيضانات تغرق المصلحة في بارني

تتوفر مصلحة الدياليز ببارني على 8 أسرة تستوعب مرضى مختلطين بين نساء ورجال وأطفال، وهو ما لا يضمن للمرضى راحة بينهم، حتى المراحيض مختلطة! وهنا يبرر البروفيسور ريان الأمر بقلة الأماكن وصغر المساحة يقول تسبب في هذا الوضع، علما أنه طالب مرارا بتغيير مقر المصلحة إلى مكان آخر داخل المستشفى يضمن حرمة المرضى ويجنب المصلحة الفيضانات التي تغرق فيها كل فصل شتاء.

وأبدى المرضى والطاقم الطبي العامل في المصلحة تخوفهم من الحوادث التي قد تنجر عن هذا الوضع من شرارات وصواعق كهربائية أو حرائق وغيرها.

عدوى التهاب الكبد الفيروسي تلاحق المرضى والأطباء

أكد لنا الطاقم الطبي العامل في مصالح الكلى تجنبهم العديد من حالات عدوى التهاب الكبد الفيروسي "س" و"ب" وذلك بسبب اختلاطهم مع بقية المرضى وتشاركهم لنفس الأجهزة، بينما الحيطة والحذر في مثل هذه الأوضاع تتطلب عزلا كاملا وتعقيما صارما للتجهيزات.

من جهته البروفيسور ريان أفاد أن الإمكانيات والظروف الحالية تجعل الأمر مستحيلا، وأن حالات العزل تطبق عادة لما تتعدى نسبة المرضى 30 بالمائة بينما في بارني لم يصل عددهم هذه النسبة.

ولم يخف المختص تسجيل عدد من الحالات عبر الوطن انتقلت إليها العدوى من مصالح تصفية الكلى.

انقطاع الخط الهاتفي يكبّد المرضى مشقة كبيرة

تسبب انقطاع الخط الهاتفي لمصلحة أمراض الكلى منذ 4 أشهر تقريبا في مشقة كبيرة للمرضى الذين أصبحوا مجبرين على التنقل إلى المصلحة من أجل تقديم التحاليل والتصوير الإشعاعي بعد أن كانوا يرسلون نسخا عن طريق الفاكس ويزداد الأمر حرجا بالنسبة لمرضى الولايات الداخلية.

وعن هذا يقول البروفيسور ريان إن مصلحة الكلى مصلحة استراتيجية تتطلب وسائل اتصال دائمة، حيث يوجد أزيد من 350 مريض تتابع المصلحة حالتهم وانقطاع الهاتف والفاكس أمر خطير في القرن الواحد والعشرين وفي ظل التطور التكنولوجي الحاصل.

البروفيسور ريان قال إن الأمر هذا اضطره إلى تقديم هاتفه الشخصي لمرضاه وكذا بعض الأطباء الآخرين قصد تسهيل الاتصال مع المرضى.

مرضى القصور الكلوي يموتون بسبب محدودية خدمة الاستعجالات

أكد البروفيسور ريان أنّ عديد المرضى توفوا بسبب محدودية طاقة استيعاب الاستعجالات التي لا يوفرها على مستوى ولاية الجزائر سوى مستشفى بارني وباب الوادي، وقال المختص إنه سبق عقد اجتماعات مع مديرية الصحة لإلزام بقية المستشفيات على ضمان خدمة الاستعجالات لاستيعاب الحالات الحرجة التي تموت في أغلبها بسبب عدم توفر سرير في المصلحتين، وهو ما لم ترفضه المديرية، غير أن تطبيقه لم ير النور بعد.

وينتظر أن تلتحق كل من مصلحة بني مسوس ومصطفى باشا الجامعي بالركب.

6 عمليات زرع فقط من الأموات خلال 30 عاما!

صرح البروفيسور ريان أنّه منذ بداية عمليات الزرع في الجزائر عام 86 لم تجر سوى 6 عمليات زرع من متبرعين موتى.

وأرجع المتحدث الأمر إلى الثقافة المغيبة في المجتمع، غير أنه ربط الأمر بضرورة تحسين التكفل الصحي بالجرحى والمرضى وضحايا حوادث المرور لتغيير هذا الواقع وفرض تقبل حقيقة الموت حتى يمكن لأهل الفقيد منح الموافقة للتبرع بأعضائه، ليضيف "مادام لم نحل مشكل التكفل الصحي قبل الموت فإننا لن نحل مشكلة التبرع بعد الموت".

algeriepress

المزيد من الأخبار

اقرأ الخبر من المصدر

0.00 من 5.00 - 0 أصوات

تابع
آخر الأخبار
عبر بريدك الإلكتروني