الرئيسية / الصحف الوطنية / الشروق / كيف يرانا العالم؟ وكيف نقدّم أنفسنا له؟

كيف يرانا العالم؟ وكيف نقدّم أنفسنا له؟

author-picture

محمد سليم قلالة

كيف كان يرانا العالم قبل قرون؟ وكيف رآنا قبل 50 سنة؟ واليوم ماذا نُمثل بالنسبة إليه؟ وغدا كيف ينبغي أن نكون ونقدم أنفسنا له؟.. إذا كانت الأسئلة الأولى مهمة فإن السؤال الأخير أكثر أهمية وعلينا أن نعمل جاهدين لكي نكون في مستوى الإجابة عليه باعتبار أن القرون السابقة كانت بحق شرفاً لنا رغم ما بها من ظِلال.. أما القرن الحالي فهو الذي نَتحمّل وحدنا مسؤولية أن نكون فيه أو لا نكون.

منذ ما قبل الميلاد والتاريخ يُسجِّل أننا أسياد في الشمال الافريقي، بدولة اسمها نوميديا على رأسها رجال أفذاذ من أمثال ماسينيسا ويوغرطة وتاكفاريناس، وبرغم ما عرفته هذه الدولة من صعود وهبوط إلا أنها كرَّست نفسها في التاريخ دولة حرة مقاومة للأجنبي مازالت تبعث العزة فينا إلى اليوم وتَمُدّنا بكثير مما نشعر به من نخوة وكبرياء كجزائريين.

وبمجيئ الإسلام، تحوَّلنا إلى فاتحين، وتوغَّلنا برايته إلى عمق أوروبا وكُنَّا من المؤسسين لأكثر الحضارات تأثيرا في التطوُّر الغربي المعاصر "حضارة الأندلس". اجتمع لدينا في رمز طارق بن زياد الأمازيغي المسلم قوة الانتماء لهذه الأرض وعزة الإسلام وسماحته. وتمكنَّا خلال أكثر من 08 قرون من أن نكون أسياد المتوسط وبُناة الجزء الغربي من حضارة الإسلام بعلمائها وأدبائها وفلاسفتها وحُكَّامها الذين كانوا مَضرب المثل لحُكَّام الامبراطورية الرومانية المتآكلة وملوك أوروبا المنبهرين بكل ما صنعناه في قرطبة وغرناطة وطليطلة واشبيلية وقبلهما في بجاية وتيهرت وتلمسان وورجلان حتى لا نذكر سوى هذه المدن التي اشتهرت بعلومها وآدابها في عصر الموحدين وما قبل الموحدين.

وحتى بعد سقوط هذه الدولة التي كانت عنوان نهاية مرحلة التقدم والازدهار في كل شمال إفريقيا، وانتهاء حكم المسلمين بالأندلس في نهاية القرن الخامس عشر (1492م) بسقوط غرناطة، استمر المغرب الأوسط (معظم الجزائر حاليا) بمدنه الساحلية المركزية: بونة وجيجل وبجاية والجزائر ووهران وغيرها حصنا منيعا على الأعداء طيلة أكثر من 300 سنة لا يستطيعون مواصلة ما بدأوه في الأندلس من تصفية للوجود الإسلامي وإعادة سواحلنا الشمالية إلى "أمجاد" الكاثوليكية الرومانية.

ولولا انهيار دفاعاتنا المعنوية والروحية وضعف سلطتنا السياسية في بداية القرن التاسع عشر لَمَا تَمَكّن الفرنسيون من السيطرة على أكبر حاضرة في قلب الساحل المتوسط، الجزائر العاصمة. ومع ذلك، سجل التاريخ أنه، وإن تم احتلالنا بالحديد والنار، إلا أن هذا الاحتلال لم يهنأ له بال ولم تتوقف مقاومتنا له شعبيا وبطريقة منظمة وبثورات كانت لا تخمد إلا لتشتعل من جديد إلى غاية ثورتنا التحريرية الكبرى التي حققت ما كنا نتطلَّع إليه عبر التاريخ؛ استعادة سيادتنا الوطنية على الأرض التي كانت باستمرار لأجدادنا الأوَّلين.

هي هذه نظرة العالم لنا قبل قرون، وإن شَذَّ عنها البعض، أو حاول تشويهها أو تزييفها أو التنكُّر لها. ولعلها هي النظرة التي ننظر من خلالها إلى أنفسنا ونعتزُّ بها ولا نخجل حتى لما فيها من سواد استعمار أو هزائم مُنينا بها لفترة من الفترات هي كالظِّلال ضمن مساحات النور الشاسعة.

وقد تبلورت هذه الصورة أكثر بعد ذلك الوَهج الكبير الذي تركته ثورتُنا في العالم، وذلك الانطباع الذي تَرسَّخ لدى كل الشعوب عَنَّا، كمكافحين من أجل الحرية والاستقلال، مُتطلعين إلى رفض العبودية، مُستعدين لتقديم أكثر من عُشُر شعبنا لتحقيق ذلك. وعشنا منذ 50 سنة هذا الشعور الجميل وسجّلناه بأحرف من ذهب.. وانتظر العالم مِنَّا أن نكون الأنموذج الحي للتقدم بين الشعوب الأفروـ آسيوية، وقد بدت ملامح ذلك تلوح في الأفق ببناء المدارس والجامعات والتأسيس لحُكم وطني يبني المصانع ويستعيد الثروات فضلا عن مناصرة الشعوب المضطهدة والاستعداد للتضحية من أجل أن تقرر مصيرها. وكانت أولى الخطوات في هذا الاتجاه، إلا أنها ما لبثت أن بدأت تُراوح مكانها بعد أقل من عقدين، إلى أن أصبحنا في التسعينيات من القرن الماضي، نُقدِّم للعالم أسوأ مَثل في الاقتتال والتدمير الذاتي.. ولم نفق إلا ونحن صورة مُشَوَّهة، يَنظر إلينا الآخر وكأننا أفرغنا ثورتنا التي كانت رمزا لشعوب العالم من محتواها، وتحوَّلت إلى شيء آخر غير ذلك الذي كان يُمكن أن يتطابق وينسجم مع عمق تاريخنا وكل تلك الحقب الناصعة منه التي كانت مضرب الامثال للشعوب والأمم.

وكانت محاولتنا أن نعيد ترميم تلك الصورة التي تحطمت، وأحسسنا بأن انطلاقة كبيرة ستكون مع بداية القرن الحادي والعشرين لنُصحِّح ما خُرِّب ولِنُعيد رَسْمَ صورة حقيقية عن أنفسنا، نُقدِّمها لعالم الغد، فنُعيد الاعتبار لأنفسنا ونطوي تلك الصفحة السوداء التي سُجِّلت بِاسمنا وكان توقيعها إرهابا ودماء ودموعا واقتتالا بلا حدود.

هل قمنا بذلك وأَحْسَنَّا تقديم أنفسنا بعد الذي حدث؟ علينا أن نجيب بكل موضوعية عن هذا السؤال إذا أردنا أن نتقدم ومن غير لوم طرف بعينه أو تبرئة آخر باعتبار أن الكل مسؤول عما حدث وإن تفاوتت الدرجات؟

للأسف لم نتمكن إلى حد الآن من تقديم الصورة الأفضل التي ينبغي أن تكون للآخر عنّا حتى نُعيد صوغ علاقات جديدة معه وعلى أسُس صحيحة.

الصورة الأفضل التي علينا أن نُقدِّمها للعالم ليست أبدا صورة شعب ينتظر بواخر الغذاء والدواء ليعيش، أو بواخر المحروقات وأنابيب الغاز لكي يحصل على ما يحتاج من أموال، ولا صورة 40 مليون مستهلِك من كبار المستهلكين في القمح في العالم، أو صورة مجتمع يبحث عن توازنات اجتماعية وثقافية دون جدوى فيما نراه من مشكلات لها علاقة بالخيارات في المدرسة وما نراه من مشكلات تتعلق بالبحث عن شغل ومسكن، حتى كادت تصبح هذه هي الغاية الكبرى لشعب بهذا العمق التاريخي والحضاري الذي عرفناه…

الصورة الأفضل التي علينا ان نُقدِّمها للعالم ينبغي أن تكون في مستوى هذا التاريخ العميق وهذا الدور المحوري الذي لعبناه لقرون عدة في شمال إفريقيا وجنوب أوروبا. وهذا لن يتأتى إلا بإعادة بناء صحيحة لكل العناصر المكوّنة للأمة: أولا للذات التاريخية والثقافية للشعب الجزائري في تنوّعه ووحدته، أي بناء الإنسان القادر على استعادة ذاته ومكانته وصناعة مستقبله بنفسه، من خلال تعليم راق وإعلام متقدِّم وفنون وآداب في مستوى استعادة ما ضاع منه مِن توازن روحي ومادي في العقود الأخيرة، وفي مرتبة ثانية بل وبالتوازي مع ذلك، القيام بأفضل الخيارات الاقتصادية المُمكنة التي تُعيدنا إلى أمة الانتاج بدل أمة الاستهلاك، وأخيرا بإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس قادرة على مواكبة العصر وتقديم النموذج السياسي القادر على الصمود في ظل ما يعرف العالم من تقلّبات وهزّات.

وهذه ليست سوى البدايات الأولى لما ينبغي أن تكون عليه رؤيتنا المستقبلية لجزائر الغد التاريخية والعصرية، والشعب الجزائري ليس بالعقيم ليعيد صوغ وضبط كافة النهايات.

*************************

* الصورة الأفضل التي علينا أن نُقدِّمها للعالم ليست أبدا صورة شعب ينتظر بواخر الغذاء والدواء ليعيش، أو بواخر المحروقات وأنابيب الغاز لكي يحصل على ما يحتاج من أموال، ولا صورة 40 مليون مستهلِك من كبار المستهلكين في القمح في العالم…

algeriepress

اقرأ الخبر من المصدر

0.00 من 5.00 - 0 أصوات

تابع
آخر الأخبار
عبر بريدك الإلكتروني