الرئيسية / الصحف الوطنية / الشروق / هذا ما دار خلف جدران إقامة الرئاسة يوم رحيل الشاذلي

هذا ما دار خلف جدران إقامة الرئاسة يوم رحيل الشاذلي

تمرّ اليوم 25 سنة لمغادرة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد من سدة الحكم، في عملية مازالت تثير الجدل الدستوري والسياسي إلى الآن، بين من يراها استقالة طوعية، في حين يجزم آخرون أنها إقالة تحت الإكراه، وعليه انقسم تأويلها أيضا، بين كونها انقلابا على الإرادة الشعبية آنذاك، بعد توقيف المسار الانتخابي، وبين وصفها بالقرار الشجاع لإنقاذ الجمهورية، وإلى اليوم، يظلّ كل طرف يدافع عن موقعه وموقفه.

وللوقوف عند الذكرى، حاولت "الشروق" البحث عن زاوية جديدة، وشهادات متجددة، حول رحيل بن جديد، في يوم 11 جانفي 1992، لكن أغلب، إن لم نقل كلّ الشخصيات المعنية بالحدث، من بعيد أو قريب، فضلت هذه المرة الصمت، بعضها رفض تكرار نفسه بتكرار تصريحاته السابقة المعروفة، والبعض الآخر رأى أن لا جديد يجعله يتكلم مجدّدا، ولذلك ارتأت "الشروق" أن تعيد نشر أبرز الشهادات المرتبطة بالحدث، لفاعلين مباشرين في الحكم سابقا، وتصريحات مقرّبين من الرئيس الشاذلي بن جديد رحمه الله حول ملابسات مغادرته للسلطة، كانوا قد وثقوا شهاداتهم في حوارات وتصريحات مع "الشروق".

شقيق الرئيس الراحل خليفة بن جديد:

الشاذلي حمّل نزار المسؤولية ولم يندم على الاستقالة

قال خليفة بن جديد، شقيق الرئيس الأسبق، بشأن خروجه من الحكم "أنه وبعد أول انتخابات تشريعية في إطار التعدّدية في 26 ديسمبر 1991 كانت صدمة الشاذلي كبيرة بعد ما حصد "الفيس" المحل غالبية المقاعد في البرلمان، بـ188 مقعد في الدور الأول، وما زاد من مخاوف الرئيس هو أنّ قادة الحزب المحلّ كانوا قد توعدوا السّلطة بأنّه في حال فوزهم بالأغلبية في التشريعيات، لن تكون انتخابات أخرى في البلاد".

وأوضح شقيق الرئيس أنه "أمام هذا الوضع الذي اعتبره الشاذلي خطير جدا، اجتمع مباشرة بعد إعلان نتائج الانتخابات مع قادة الجيش بمقر قيادة القوات البرية في عين النعجة، بحضور وزير الدفاع الأسبق خالد نزار، حيث نبّه ممثلي المؤسسة العسكرية إلى ما يراه خطرا محدّقا باستقرار البلاد"، مخاطبا إيّاهم: "تحمّلوا المسؤولية.. لن أتحمّلها وحدي"، ليقوم الجيش لاحقا وبالتشاور مع الحكومة بإلغاء نتائج التشريعيات التي حصد فيها "الفيس" أغلبية المقاعد في البرلمان.

وقال شقيق الرئيس في شهادات سابقة لـ"الشروق": "كلّمني الشاذلي في منتصف نهار 7 جانفي 1992، عبر الهاتف الثابت، كنت حينها بمنزلي في وهران، طلب منّي المجيء إلى بيته في زرالدة، وعند وصولي مطار العاصمة، كان في استقبالي شقيقي العقيد مالك بن جديد، نائب قائد الناحية العسكرية الأولى بالبليدة آنذاك… سألته: لماذا استدعاني الشاذلي؟ فردّ: الرئيس سيستقيل".

وتابع السيد خليفة: "وفي اليوم الموالي (8 جانفي)، حللت بمنزل الرئيس في حدود الساعة العاشرة صباحا".. ومضى خليفة قائلا: "سألت الرئيس لماذا استدعيتني.. فأجاب: أردت إخبارك بأنّي سأستقيل.. أردت إبلاغك كي لا تسمع بنبأ استقالتي من التلفزيون وتصدم"، موضحا أنّ الراحل قضى أياما عصيبة ما بين 26 ديسمبر 1991 إلى غاية إعلانه استقالته في 11 جانفي 1992، فقد كان منهارا نفسيا ويواجه هذا الوضع الصعب بتلاوة القرآن، ملتزما بصلواته الخمس، ويحث عائلته على تأديتها في وقتها.

وقال المتحدث "لمسنا أثناء جهره بصلاته تأثّرا بالغا، عندما كان يتلو آية بعينها وهي: "يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ"، مضيفا "هذه الآية كان وقعها عظيما على الشاذلي، إلى درجة أنّه قال لي: أقسمت على المصحف باحترام الدستور وقوانين الجمهورية.. والله على ما أقول شهيد.. لست مستعدّا لأخون ما وعدت به ربّ العالمين والشّعب الجزائري".

وأردف خليفة في كلامه السابق "بينما الشاذلي منهمك في الحديث معي دخل علينا في حدود الـ11 صباحا، الجنرال بن قرطبي رئيس التشريفات برئاسة الجمهورية آنذاك، حاملا ورقة بيضاء مكتوبة بقلم. لم أكن أعلم أنها ورقة الاستقالة.. حيث قرأها الشاذلي وأمضاها ومنحها للجنرال بن قرطبي".

واستطرد خليفة، شقيق الرئيس "الشاذلي لم يندم على قراره، لأنّه رأى بأنه أحد الحلول لخروج البلاد من الأزمة، لكن في المقابل لم يخضع لأي ضغوط من طرف الجيش، ولم يرغمه أحد على الاستقالة، وإنّما تخلّى عن الكرسي بمحض إرادته".

وزير الدفاع الأسبق الجنرال خالد نزّار:

بن جديد استقال عن وعي ودون ضغط من أيّ طرف

أكد اللواء خالد نزار، وزير الدفاع الأسبق، أنّ "العملية التي تنعت هنا وهناك بأنها توقيف للمسار الديمقراطي، كانت بالعكس، تهدف في الأصل كما في النتيجة إلى المحافظة على الجمهورية، وارثة آباء نوفمبر والديمقراطية وترسيخها في البلد على المدى الطويل".

وقال في شهادة مكتوبة سابقة: "كان من غير الممكن القيام بعمل يساوي مصير أمة برمتها دون تسجيل تجاوزات هنا وهناك، استحال تجنبها وذلك طوال النزاع الداخلي الذي قاومت قوات الأمن خلاله المتسببين في المأساة الوطنية"، مضيفا: "إذا كان الجيش الوطني الشعبي قد رأى من الحتمي توقيف المسار الانتخابي في جانفي 1992، شأنه شأن الحكومة والقوى السياسية والنقابية الأخرى، فذلك وعي منه تمام الوعي بجسامة الرهانات والأخطار التي كانت محدقة بالدولة الوطنية والمسار الديمقراطي".

وردا على الفكرة القائلة بأن رئيس الجمهورية الأسبق (الشاذلي بن جديد) كان ضحية إجباره على تقديم استقالته عنوة، أجاب الجنرال نزار قائلا: "هاهو الرئيس نفسه، يصرح في 28 نوفمبر 2008- بما لا يرقى إليه الشك- بأنه استقال من تلقاء نفسه وعن وعي ودون أي ضغط من أي شخص أو طرف كان.. فعلى ضوء هذا التوضيح الهام- وإن جاء متأخرا- يبدو من الحري والمفيد أن نرد بعض الحقائق إلى نصابها". وأوضح: "إذا كانت استقالة رئيس الجمهورية قد بدرت منه فعلا، فإن فرضية الانقلاب تلغي نفسها بنفسها"، مضيفا: و"إن إلغاء الدور الثاني من الانتخابات لم يكن معناه تعليق الديمقراطية، بدليل أنه لم يتم الحد من نشاطات الأحزاب السياسية ولم يعلق الدستور". وأردف شهادته: "كانت مرحلة ما بين دوري الانتخابات فترة عصيبة، ذلك أن الفيس المحل زاد تشددا بعد فوزه في الدور الأول، فمضى قدما في نهج كل من لا يحذو حذوه، وراح يتوعد المواطنين بالعقاب ما لم يغيروا لباسهم وأكلهم".

واعتبر نزار في شهادات سابقة، أن خروج الرئيس الراحل عن صمته قد أنهى الجدل، فقال: "لقد كان الغموض الذي شاب الفقرة الواردة في تصريح المجلس الدستوري المتعلقة بالظروف التي طرأت فيها استقالة رئيس الجمهورية، مصدر شبهة بحيث أدى إلى تأويلات مضللة، وقد رفع التصريح المذكور إلى الرئيس الشاذلي هذا اللبس، إذ اعترف بأنه استقال دون إكراه وأنه يتحمل مسؤولية هذا القرار تحملا تاما".

رئيس الحكومة الأسبق سيد أحمد غزالي:

11 جانفي ليس انقلابًا والشاذلي لم يكن غبيّا حتّى يُقال

اعترف رئيس الحكومة الأسبق، سيد أحمد غزالي، في تصريحات سابقة، بتعرض الرئيس الراحل الشاذلي لضغوطات لم يكشف عن هويتها، من أجل تقديم استقالته أو من أجل وقف المسار الانتخابي، وقال في تصريحات سابقة: "الضغط على الرئيس ليس عيبا، بل أمر طبيعي، كما لا ينبغي اتهام جهات أخرى، طالما أن المعني هو من يقرر في النهاية".

وأضاف غزالي أن بن جديد "لم يكن غبيا ولا أحمق حتى يقبل إقالته"، لكنه في المقابل، نأى بنفسه عن المشاركة في الضغط على الشاذلي من أجل الاستقالة، وأكد أنه لم يسمع بها إلا عبر شاشة التلفزيون مثل الجزائريين، كما قال إنه "لم يسمع بحل البرلمان الذي تم في الرابع من جانفي 1992، بالرغم من أنه كان يجب أن يعلم بقرار من هذا القبيل، بحكم منصبه، إلى جانب كل من رئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس المجلس الدستوري".

وفي شهادة أخرى، استبعد غزالي خضوع الشاذلي لضغط من قادة عسكريين لدفعه إلى رمي المنشفة، موضحا: "قيل لي إن ضباطا اتصلوا به ليطلبوا منه التنحي، فإذا ثبت أنه تنحى بناء على طلبهم فهل نسمي ما جرى انقلابا… أنا لا أسميه انقلابا، فقد كنا متأكدين من أن الإسلاميين سيحطمون الدولة، ولكني بهذا الكلام لا أبحث عن تبرير قانوني لـ11 جانفي 1992 وإنما سياسيا يمكن تبريره، لأن فئات شعبية كبيرة وقوى سياسية عبّرت عن خشيتها من تحطيم الدولة".

وأضاف غزالي: "لو سلمنا بأنه انقلاب، فقد تم بالاتفاق مع رئيس الدولة الذي كانت استقالته ذات مصداقية، فمن حيث الشكل لم يكن ممكنا التوجه نحو دور ثان للانتخابات من دون رئيس جمهورية".

وأكد غزالي أن الحكومة (كان رئيسها) التي أشرفت على تنظيم الانتخابات التشريعية الملغاة، كانت مع وقف الدور الثاني من هذه الانتخابات، والمبرر كما جاء على لسانه، أنه وعد الجزائريين بتنظيم انتخابات شفافة ونزيهة، "وقد وفّيت بذلك، لكن الفيس لم يلتزم من جانبه بشروط النزاهة"، وأكد أن وقف المسار الانتخابي "لم يكن مبنيا على حسابات سياسية بحق أو بغير حق، لأن التاريخ هو من سيحكم، لكنني أعتقد أن قطع الطريق عن الانتخابات كان لا مفر منه لوقف زحف التطرف".

واعترف رئيس الحكومة الأسبق بالحرج الذي وقعت فيه الحكومة في التعاطي مع نتائج الدور الأول للانتخابات التشريعية الملغاة، وقال: "ما دامت النتائج صدرت في الجريدة الرسمية، فمعنى ذلك أنها شرعية من الناحية الدستورية، غير أن المشكل يتعلق بالجانب السياسي، إذ كيف يمكن مواصلة الدور الثاني، في ظل الفراغ السياسي الذي أعقب حل المجلس الشعبي الوطني".

حرم الرئيس الراحل السيدة حليمة بن جديد:

الشاذلي قال: "ما نخلطهاش ونعاودها"

بدورها أكدت أرملة الرئيس الأسبق الشاذلي، السيدة حليمة بن جديد، أن قرار الاستقالة كان قرارا شخصيا اتخذه الراحل عن قناعة تامة بعد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ سابقا في الدور الأول من الانتخابات التشريعية عام 1991، خوفا على الجزائر من أيّ انزلاقات.

وشددت السيدة حليمة في تصريحاتها السابقة على أن الرئيس الراحل رفض رفضا قاطعا القفز على الشرعية الشعبية التي أفضت إلى فوز "الفيس" المحلّ بأغلبية مقاعد البرلمان، وقال يومها "أستقيل.. لم تجبروني على ذلك ولكني لا أريد تغيير خطتي بالكامل في تسيير الدولة بوقف الانتخابات.. أديت اليمين وأقسمتُ على أن التزم بقيم الجمهورية وأن أحترم إرادة الشعب وهو ما سأفعله" .

وأضافت السيدة حليمة، في شهادة سابقة لـ "الشروق" أنّ "الشاذلي ـ رحمه الله – فهم ما أراده بعض الجنرالات المعارضين له بعد ظهور نتائج الانتخابات في الدور الأول من أول تشريعيات تعددية في البلاد، وقال "أنا ما نخلطهاش ونعاودها"، فقد رفض أن يكون طرفا ضد ما أفرزه الصندوق، لأنه كان يحترم قيم الدولة ومبادئها وعليه فضل الاستقالة وحمل المعارضين آنذاك لاحترام الإرادة الشعبية، مسؤولية الخطوة، وكان يردد عبارة "الله يعلم ما في قلبي وهو من يحاسبني"، على حدّ قولها.

وأضافت السيدة حليمة "أذكر أنه في ليلة الاستقالة ظل صامتا محتفظا بكل ما يدور في رأسه من أفكار لنفسه.. كان مؤمنا جدا بقضاء الله وظل يردد أنه بذل جهده ليكون في مستوى المسؤولية وأنه لا يمكن أن يخون القسم على كتاب الله في صون الأمانة… حافظ على هدوئه كما عاهدناه دائما وطوال رئاسته للدولة، وفي كل الأحداث التي عرفتها الجزائر ابتداء من أحداث منطقة القبائل سنة 1980".

وعن مدى صحة ما تردد عن انهياره النفسي قبيل الاستقالة، قالت السيدة حليمة "الشاذلي الرئيس هو بشر وأكيد أن الضغوطات التي عاشها في تلك الفترة كانت كبيرة جدا.. وحتى نحن كعائلة مررنا بمرحلة عصيبة جدا منذ تعيينه رئيسا للجمهورية. لم نعط أبناءنا حقهم من الرعاية وكبروا ونحن منشغلون بأمور السياسة رغما عنا، وواجهنا حملات شرسة من الانتقادات والدعايات المغرضة".

وأضافت حرم الرئيس الراحل: "أيام صعبة عشناها على أعصابنا كعائلة كانت تتوقع يوميا المزيد من الأخبار الكاذبة التي كان يروج لها على نطاق واسع"، مستطردة "الشاذلي بن جديد كان رجلا مؤمنا ومجاهدا وثوريا مخلصا خدم الوطن بكل أمانة وصدق وظل وفيا لمبادئه ورفض أن يجزئها أو يتخلى عنها تحت أي ظرف، وعندما وضع في امتحان صعب فضل الانسحاب والاستقالة لإرضاء ضميره".

عضو المجلس الأعلى للدولة علي هارون:

وزراء غزالي أجمعوا على وقف المسار الانتخابي

يقدم علي هارون، أحد الرجال الذين هندسوا لعملية وقف المسار الانتخابي في جانفي 1992، شهادته حول الحدث فيقول في شهادات سابقة: "كان العربي بلخير وزير الداخلية مهزوما بسبب النتائج الكارثية التي انتهت إليها الانتخابات التشريعية في ديسمبر 1991.. لقد حققت الجبهة الإسلامية للإنقاذ انتصارا لا نقاش فيه، أكثر من ذلك كان‭ ‬استعراضيا .. وفي أول اجتماع لمجلس الحكومة بعد إعلان النتائج، اتفق وزراء حكومة غزالي على أن استمرار العملية الانتخابية إلى الدور الثاني، يعني سقوط الدولة بين أيدي الأصولية الإسلامية، التي ستقودنا إلى عصور الظلامية، مع احتمال نشوب حرب أهلية، ومن هنا اتفق الجميع على ضرورة وقف المسار الانتخابي،‭ ‬وكان‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬المتحمسين‭ ‬لهذا‭ ‬الخيار،‭ ‬الوزيرتان‭ ‬ليلى‭ ‬عسلاوي‭ ‬وأنيسة‭ ‬بن‭ ‬عمر،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ذكّر‭ ‬ابراهيم‭ ‬شيبوط،‭ ‬وزير‭ ‬المجاهدين‭ ‬آنذاك،‭ ‬بتضحيات‭ ‬الشهداء‭ ‬والمجاهدين‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬متقدمة‭ ‬وعصرية‭."‬

وأضاف وزير حقوق الإنسان ما بين(1991 /1992 ) "في ظل هذا الوضع، تناول وزير الثقافة والاتصال أبو بكر بلقايد الكلمة ليقول بأن النقاش يجب أن يتجاوز الحديث عن وقف المسار الانتخابي الذي أصبح مفروغا منه، بل في البحث عن الوسائل التي ستمكن من وقف المسار الانتخابي وعدم الذهاب إلى الدور الثاني"، موضحا أنّ "الجميع كان ينتظر تدخل وزير الدفاع السابق، الجنرال خالد تزار، الذي كان جالسا على يسار غزالي من الطاولة البيضاوية، ليعرف موقف المؤسسة العسكرية مما تتم مناقشته، نظرا لثقل هذه المؤسسة، وقد جاء كلام الجنرال وفق ما كان ينتظره الجميع، وهو أنه‭ ‬يشاطر‭ ‬القلق‭ ‬الذي‭ ‬انتاب‭ ‬أغلبية‭ ‬الوزراء"‭.‬

رئيس البرلمان سابقا عبد العزيز بلخادم:

لم أكن أملك صلاحية حلّ البرلمان وسمعت بالقرار في التلفزيون

يؤكد رئيس المجلس الشعبي الوطني الأسبق، بداية التسعينيات، عبد العزيز بلخادم، أنه سمع بحل الهيئة التشريعية التي كان يرأسها من خلال التلفزيون العمومي آنذاك، ولم يتول حله، لأنه لا يمكنه قانونا ودستوريا ذلك، وأن القرار ضمن صلاحيات رئيس الجمهورية.

ويستند بلخادم إلى مسائل قانونية بحتة، ليؤكد شهادته، ويقول: "الدساتير الجزائرية سواء لعام 76 أم 89 أم 96 لا يعطي الصلاحية لرئيس المجلس في حله، بل الأمر من صلاحية رئيس الجمهورية وحده.. في حالة حل المجلس بقرار سياسي يتم استشارة رئيسه وفق دستور 89، وأنا لم أستشَر في ذلك أبدا". ويتابع في هذه الجزئية: "استشارتي في تلك الفترة كانت إلزاميا بنص الدستور".

وجاءت تصريحات بلخادم لـ"الشروق" قبل سنة، ردا على اللواء المتقاعد خالد نزار في حواره المطول مع "الشروق". ومما جاء فيها عن بلخادم: "هو يريد تسييس الأمر، دعه يقل ما يريد.. عبد العزيز بلخادم هو من حل المجلس، بلخادم جزء من أولئك الذين قادوا الحملة ضد المؤسسة العسكرية، من خلال انخراطه في اعتبار ما حصل بعد وقف المسار الانتخابي في 1992 انقلابا على الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، ونحن لا نحتاج إلى تفكير كبير كي نفهم.. بلخادم هو من حل المجلس الشعبي الوطني، وكل النواب كانوا حاضرين يومها، ومنذ ذلك اليوم عادوا إلى بيوتهم".

ويرفض بلخادم، كذلك ما قاله الجنرال نزار من أن حل البرلمان بداية التسعينيات قد تم في جلسة حضرها كل النواب، ويقول: "الجلسة تلك كانت نهاية الدورة البرلمانية فقط، وليس نهاية العهدة.. العهدة قانونا تنتهي كل 5 سنوات، ويعوض المجلس القديم بالمجلس الجديد، وهذا لم يحصل إطلاقا".

مدير الأخبار بالتلفزيون العمومي سابقا عمار بخوش لـ "الشروق":

هذا ما دار خلف جدران إقامة الرئاسة يوم رحيل الشاذلي

المدير العام لحسن زروقي تنقل شخصيا رفقة فرقة التلفزيون

تصريحات حنون في "لقاء الصحافة" أحدثت أزمة بين الجزائر ومصر والسعودية

لم نسمع بإقالة غزالي لعبدو بن زيان إلاّ عبر الصحف فاستقلت تضامنا معه

بعدما تم استهلاك كل الأسماء التي كان لها حضور أو مسؤولية فيما جرى ذات 11 جانفي 1992، كل حسب موقعه، تتطرّق "الشروق" هذه المرة بمناسبة حلول الذكرى الـ 25 لرحيل الشاذلي بن جديد من الحكم، إلى زاوية جديدة لم يسبق تناولها في هذه القضية، وهو كيف عايش الإعلام الرسمي في قطاع السمعي بصري، ممثلا في التلفزة الوطنية، هذه الحادثة وما دار خلف الجدران بإقامة الرئاسة بزرالدة، وكذا في قاعة الأخبار بمبنى شارع الشهداء بالعاصمة.. الجانب المسكوت عنه في إقالة أو استقالة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، يرويه لـ "الشروق"، مدير الأخبار بالتلفزيون سابقا عمار بخوش.

متى بدأتم تشعرون في التلفزيون العمومي، الناطق الإعلامي الوحيد في قطاع السمعي البصري يومها باسم الحكومة، بأن هناك شيئا ما غير عادي سيحدث ذات 11 جانفي 1991؟

لقد خلقت نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في ديسمبر 1991 حالة من الذهول لدى بعض الأوساط السياسية والإعلامية بسبب طبيعتها، فالحزب (الفيس) الذي حصل على 2.5 مليون صوت حصد 188 مقعد في الدور الأول، في حين إن الحزب (الأفلان) الذي حصل 1.5 مليون صوت لم يجمع سوى 15 مقعدا متخلفا بعشرة مقاعد عن حزب آخر (الأفافاس)، الذي لم يحصل سوى على نحو نصف مليون صوت فقط.. هذه المعطيات جعلت الوضع مهيأ لحدوث أي طارئ.. لكن دعنا من هذا..

لقد كانت هناك حالة من القلق والترقب خلال المرحلة التي فصلت بين الدورين الأول والثاني من الانتخابات التشريعية تلك، في ظل تمسك الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد بتنظيم الدور الثاني، رغم ما أشيع يومها عن رفض جهات كثيرة في هرم السلطة الاستمرار في المسار الانتخابي.. ورغم ذلك، لم يكن أحد ينتظر أن يصل الأمر إلى وقوع حدث بحجم استقالة أو إقالة الرئيس الشاذلي في تلك الفترة.

أعتقد أنك كنت يومها مديرا للأخبار بالتلفزة الوطنية.. أليس كذلك؟

لا.. كنت قد استقلت من رئاسة مديرية الأخبار بالتلفزيون بعد إقالة رئيس الحكومة الأسبق، سيد أحمد غزالي لمدير التلفزيون الأسبق، عبدو بن زيان، رحمه الله، التي لم نسمع بها إلا عبر الصحف، وقد خلفه لحسن زروقي. أنا يومها لم أستسغ ما حصل فقدمت استقالتي في اجتماع لمجلس الإدارة من رئاسة مديرية الأخبار، واعتذرت للمدير الجديد على المواصلة، وقد استخلفني حينها محمد بن يعقوب بمساعدة أحمد إبراهيم.

لكنك مع ذلك بقيت صحفيا بارزا في التلفزة الوطنية.. فكيف عايشت حدث استقالة أو إقالة الشاذلي بن جديد في قاعة الأخبار، لا سيما أن "اليتيمة" يومها كانت الناطق الرسمي الإعلامي باسم السلطة، وهي التي نقلت للجزائريين والعالم برمته خبر نهاية مرحلة الرئيس الشاذلي؟

نعم.. أتذكر أنه يوم 11 جانفي 1992، اتصلت رئاسة الجمهورية بالتلفزيون وطلبت إرسال فريق تقني للإقامة الرئاسية بزرالدة، وقم تم إرسال فريق من قسم الروبورتاجات، كما جرت العادة عند تغطية نشاط رئاسي. في البداية توقع الجميع أن الأمر يتعلق بتغطية نشاط رئاسي عادي، استقبال سفير أو أي نشاط آخر عادي. أما في الحالات التي تتطلب نشاطا مهما فعادة ما ترسل الحافلة التي تضمن البث المباشر. وفي تلك الحادثة أرسلنا فريقا تقنيا عاديا، لأننا اعتقدنا أن الأمر يتعلق بنشاط رئاسي عادي لا يتطلب أكثر من التسجيل. وهنا أشير إلى نقطة هي أن التلفزة الوطنية في عهد المدير الأسبق، عبد بن زيان لم تكن تبدأ نشرات الثامنة ليلا بالنشاط الرئاسي، إلا إذا كان الحدث مهما جدا، فقد كان النشاط الرئاسي يتأخر إلى المرتبة الرابعة وحتى السابعة إذا لم يكن الأمر يتعلق بحدث كبير.

إلى هنا، يبدو الأمر عاديا.. أين غير العادي في المسألة؟

غير العادي كان تنقل المدير العام للتلفزيون (لحسن زروقي) رفقة الفرقة إلى الإقامة الرئاسية في زرالدة، لأنه من غير العادي أن يتنقل مسؤولا بحجم مدير التلفزة لتغطية نشاط ولو كان الأمر يتعلق بنشاط رئاسي.

تريد القول إن تنقل مدير التلفزة إلى الإقامة الرئاسية رفقة الفرقة التلفزيونية، فجّر الكثير من التساؤلات لدى الصحفيين؟

بالضبط. كما أن هناك أمرا آخر زاد من حدة الشكوك..

ما هو؟

طول فترة بقاء الفرقة في مقر الإقامة الرئاسية.. لقد انتظروا طويلا إلى درجة أن موعد نشرة الثامنة ليلا قد انقضى بنحو أكثر من نصف ساعة.. لكن من دون أن يعلموا ما القضية.

غير أننا من خلال عدم بث النشرة الرئيسية في موعدها، عرفنا أن هناك أمرا كبيرا سيتم الإعلان عنه، لكن من دون أن نعرف طبيعته. فعادة لا يتعدى تأخر نشرة الثامنة الخمس دقائق في أسوأ الحالات. تأخر النشرة عادة ما يرتبط بوفاة رئيس أو شخصية ثقيلة جدا.. لكن لم يخطر على بالنا أبدا استقالة الرئيس.

هل سبق أن شارك مدير التلفزيون ومدير الأخبار في تغطية نشاط رئاسي ما، عندما كان مديرا للأخبار؟

سبق لي أن تلقيت دعوة من قبل الرئاسة عبر مدير الديوان بالرئاسة الراحل، العربي بلخير، عندما كنت مديرا للأخبار رفقة مدير التلفزيون عبدو بن زيان، وكان ذلك عندما أعلن الرئيس الشاذلي عن موعد إجراء الانتخابات التشريعية لعام 1991، التي تم تأجيلها كما هو معلوم إلى ديسمبر 1991 بسبب العصيان المدني الذي دعا إليه "الفيس" في جوان من ذات السنة..

رغم طول انتظار الفرقة التلفزيونية في زرالدة.. لا شك أنها عادت في الأخير؟

بالتأكيد. لقد عادت الفرقة وعلى رأسها مدير التلفزيون، ومعها الشريط الذي سلم بها، وقد حول مباشرة إلى غرفة البث.. الرئيس الشاذلي، يسلم رسالة لرئيس المجلس الدستوري حينها، عبد المالك بن حبيلس، من دون أن يقرأها… والجزائريون يعرفون بعد ذلك القصة الكاملة.

ما هي الأمور التي قامت بها الفرقة التقنية التي تنقلت إلى الإقامة الرئاسية؟

لم يتعد دورها التصوير والتسجيل فقط. لأنه لم يذهب أي صحفي.

من هم الذين كانوا على علم بالاستقالة قبل بثها على التلفزيون؟

لا أحد.. باستثناء المدير العام ومدير الأخبار والفرقة التي تنقلت إلى زرالدة.

كيف تلقيتم هذه الحادثة كصحفيين؟

المسألة لم تكن عادية. إنها استقالة رئيس الجمهورية وفقط، لكن الجميع بقي يترقب من سيخلفه ماذا سيحدث؟ الوضع كان يلفه الكثير من الغموض. في الدستور كان من المفروض أن يتقلد منصب الرئيس مؤقتا، عبد العزيز بلخادم بحكم أنه كان رئيس المجلس الشعبي الوطني، غير أن المجلس تم حله قبل موعد الاستقالة. الدستور يتحدث في مثل هذه الحالة عن إسناد منصب الرئيس لرئيس المجلس الدستوري، غير أنه عبد المالك بن حبيلس رفض، وأنا أعتبر رفضه من وجهة نظري الخاصة تهربا من المسؤولية.. الذي حصل بعد ذلك هو أن البلاد أصبحت من دون رئيس، وهذا فتح المجال أمام جلب محمد بوضياف من منفاه الاختياري في المملكة المغربية وترؤسه للمجلس الأعلى للدولة الذي تم استحداثه لملء الفراغ الدستوري الحاصل.

هل تدخل الرئيس الشاذلي يوما في عملكم الصحفي؟

أبدا. الرئيس الشاذلي لم يتدخل يومها في عمل التلفزيون أو حاول توجيه الأمور باتجاه معين في نشرة الأخبار.

لكن هل لامكم في قضية ما؟

أذكر هنا حادثة تبقى شاهدة على مدى الاحترافية السياسية للرئيس الشاذلي في علاقته بالإعلام العمومي (التابع للدولة). ففي حصة "لقاء الصحافة" التي كان يبثها التلفزيون العمومي في بداية التسعينات، تم فيها استضافة زعيمة حزب العمال، لويزة، التي اتهمت النظام المصري السابق (نظام حسني مبارك) بإرسال عاهرات مصريات للجنود الأمريكيين في الخليج الذين جاؤوا لتحرير الكويت من الغزو العراقي.

يومها أقام المصريون ودول الخليج "القيامة" بسبب هذه التصريحات، وتدخل السفير المصري بالجزائر ومعه السفير السعودي بقوة، وطالبا من التلفزيون تقديم تكذيب بخصوص تصريحات حنون، غير أن مديرية الأخبار التي كنت أرأسها رفضت بشدة بث التكذيب، لأن تصريحات حنون لا تلزم التلفزيون بقدر ما تلزم حنون شخصيا. وأمام رفض التلفزيون التجاوب مع مطالب المصريين والخليجيين، تدخلوا لدى رئاسة الجمهورية للضغط علينا، واتصل العربي بلخير (مدير الديوان بالرئاسة) بمدير التلفزة (عبدو بن زيان) وأبلغه بما جرى على المستوى الرسمي من تدخل من قبل المسؤولين في القاهرة والرياض، فشرحنا له موقفنا، وأكدنا له أننا لم نرتكب خطأ مهنيا، غير أننا أبلغناهم بأن التلفزيون مستعد لنشر رد من قبل سفارتي مصر ليس على التلفزيون وإنما على من أدلى بتلك التصريحات (حنون)، وأكدنا له استعدادنا لتقديم استقالتنا لرفع الحرج عن الرئيس.. وعندما أبلغ العربي بلخير الرئيس الشاذلي بموقفنا تم طي القضية نهائيا.

غير أنني أذكر حادثة أخرى لم يكن للشاذلي فيها مسؤولية، وهي حادثة بث مقطع من زيارة قيادة الفيس إلى العراق ومقابلتهم الرئيس الشهيد صدام حسين في نشرة الظهيرة، حيث اتصل بنا وزير الداخلية آنذاك محمد الصالح محمدي ولامنا على تغييب الجزائر الرسمية، فأكدت له أن التلفزيون لم يتجاهل الجزائر الرسمية ولم تكن غائبة في أجندة التلفزيون، وتم ذلك من خلال بث مقطع من زيارة بومعزة إلى العراق في نشرة الثامنة.

algeriepress

المزيد من الأخبار

اقرأ الخبر من المصدر

0.00 من 5.00 - 0 أصوات

تابع
آخر الأخبار
عبر بريدك الإلكتروني