الدورة الاقتصادية بين التدمير وإعادة الإعمار

author-picture

حبيب راشدين

تحتضن الكويت مؤتمرا دوليا لجمع التبرعات لإعادة إعمار العراق، وقد قدرت الحاجة فيه إلى 88 مليار دولار يراد لدول الخليج أن تدفعها آجلا بعد أن دفعت عاجلا فاتورة التدمير، ولدول الدمار الشامل فرصة تشغيل مقاولاتها، لتكتمل الدورة الاقتصادية من ريع التدمير وعوائد التعمير، فيما اختار ترامب إعادة إعمار المنشآت القاعدية لبلده ببرنامج من 1,1 تريليون دولار (1100 مليار دولار)، أما دولة الإمارات العربية فتنوي تحقيق السبق في إعمار القمر والمريخ وما جاورهما، بعد أن تكون قد انتهت مع دول التحالف من تخريب عمران اليمن، فيما وضع الروس والصينيون اليد مسبقا على مشاريع إعادة إعمار سوريا، التي لم يُبق فيها الطيران الروسي والأمريكي هدفا ذا شأن لطيران الكيان الصهيوني الذي تعكف حكومته على إعمار فلسطين المحتلة بمزيد من المستعمرات المدمِّرة للكيان الفلسطيني.

حتى فرنسا لا تريد أن تبقى على الهامش، وقبل أن يذهب وزير خارجيتها للعراق يستكشف فرص فرنسا في كعكة إعادة الإعمار، أوفدت إلى الجزائر فريقا من أرباب المال يقودهم رئيس "الميديف" يريد استكشاف ما بقي من فرص لإعادة إعمار الخزينة الفرنسية من مشاريع إعادة إعمار الجزائر، ولا باس أن تجود الخزانة الفرنسية من باب الرشوة وجبر الخاطر ببضعة يوروات تدفع لبضعة آلاف من الجزائريين كتعويض لأضرار "تكون" قد لحقت بهم بوصفهم "أجانب" في إقليم كان يعدُّ "جزءا من التراب الفرنسي" وليس كأهل بلد خربه الاستعمار.

من جميع هذه المشاريع أفضِّل التوقف عند المشروعين الإماراتي والأمريكي لما فيهما من غرابة وخروج عن المألوف؛ فالإمارات العربية التي ابتدعت للأعراب شرعة التطاول في البنيان رغم ما ورد من تحذير في الحديث النبوي الشريف، لا ترى أن "برج خليفة" قد تطاول بما يكفي، وليس بوسع المهندسين اليوم بناء أبراج فوق الألف متر، فبدا لأمرائها أن قصب السبق قد انتقل إلى الفضاء لمن استطاع إلى ذلك سبيلا، مع أن آدم عليه السلام إنما خُلق ليكون خليفة في الأرض وليس في القمر ولا في المريخ، ومع علمهم بما يعلمه علماء الفيزياء والفلك من استحالة اختراق "حزام فون آلين" القاتل، وثبوت استحالة هبوط سابق لأي كائن على القمر، سوى في فيلم دعائي أخرجه ستانلي كوبريك على عجل لوكالة ناسا.

المشروع الإعماري الثاني المثير حقا هو ما صرَّح به ترامب بتخصيص أكثر من ألف مليار دولار لإعادة إعمار المنشآت القاعدية للولايات المتحدة، ليس لأن المشروع العملاق يفوق القدرات التكنولوجية للولايات المتحدة، ولكن لأن هذا البلد غارقٌ في المديونية فوق 21000 مليار دولار، كان منذ أسبوع عاجزا عن دفع رواتب الموظفين الفدراليين، قبل أن يرخِّص له الكونغرس بتغطية عجز فاق الـ700 مليار دولار، برفع سقف الاستدانة فوق عتبة 21000 مليار، ولعل هذا السخاء هو ما يكون قد أسال لعاب الرئيس الأمريكي، وشجعه على عرض المشروع، ما دام الذي يدفع الفاتورة هم الملايير السبعة من البشر، المستعبَدين لدولار لا يكلف أمريكا سوى ثمن الطباعة.

ولأن "جدلية أيهما أسبق: الدجاجة أم البيضة؟ ليس لها جواب بأدوات المنطق، فلن يسعفنا المنطق في الترجيح لمن السبق؟ للإعمار الذي أوجبه شرف الاستخلاف على الأرض، أم للدمار المنهجي بالحروب العبثية وقد صار يصنع الفرص لإعادة إنعاش الاقتصاد وإعمار جيوب العلية بتخريب جيوب البسطاء من الناس.

المصدر