الرئيس ينهي الجدل بشأن المرجعية الدينية

اختار الرئيس بوتفليقة، مناسبة “يوم العلم”، ليرد ضمنيا على الفتوى المثيرة للجدل، التي صدرت عن الشيخ محمد فركوس، الذي يعد أحد مراجع “السلفية المدخلية” في الجزائر، والتي كانت قد كفّرت عموم الشعب الجزائري، من الذين لا يؤمنون بأفكار هذه الطائفة.

رسالة الرئيس كانت واضحة وصارمة وتحمل الكثير من التهديد لمروجي الفتاوى الشاذة: “.. أجل، نرى اليوم أن الشعب الجزائري السُّني تصطدم بوحدته أفكارٌ غريبة عنا، وتحاليل دينية مخيفة كانت بالأمس القريب مصدر الفتنة، وقد تكون كذلك غدا، إذا لم نتصدّ لها بتبصّر”.

وكان الشيخ فركوس قد أصدر فتوى ونشرها على موقعه الخاص، أخرج من خلالها فئات واسعة من الجزائريين من دائرة “أهل السنة والجماعة”، وهي العبارة التي اعتادت الأوساط السلفية في الجزائر وخارجها ترويجها، وتعني من بين ما تعنيه أن من لا يعتنق الأفكار السفلية فهو ليس من أهل السنة، أي أتباع الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم.

وكتب بالحرف: “الإسلام الذي يمثله أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح، إنما هو الإسلام المصفى مِن رواسب العقائد الجاهلية القديمة، والمبرأُ من الآراء الخاطئة المُخالِفةِ للكتاب والسنَّة، والمجرّد من مَوروثاتِ مناهج الفِرَق الضالَّة كالشيعة الروافض والمرجئة والخوارجِ والصوفية والجهمية والمعتزلة والأشاعرة، والخالي من المناهج الدَّعوية المُنحرِفة كالتبليغ والإخوان وغيرهما من الحركات التنظيمية الدعوية أو الحركات الثورية الجهادية زعموا كالدواعش والقاعدة، أو مناهج الاتجاهات العقلانية والفكرية الحديثة، المُنتسبين إلى الإسلام”.

وجاء تدخل الرئيس للحسم، بعد أن تحولت هذه القضية إلى مادة دسمة للجدل على مدار أسابيع بين ناشطين في الحقل الديني وعلى رأسهم مرجعيات معروفة بثقلها ومصداقيتها في المجتمع، مثل جمعية العلماء المسلمين، التي دخلت على الخط، وأدانت فتوى “فركوس”، واتهمته بتفتيت وحدة الجزائريين، والخروج عن المرجعية المالكية الأصيلة في منطقة شمال إفريقيا، في الوقت الذي تشهد فيه البلاد تحديات على العديد من الأصعدة.

ووصفت الرسالة فتوى “فركوس”، بأنها “أفكار جديدة وهي غريبة عن الشعب الجزائري بالتأكيد، جعلت تماسك مجتمعنا عقائديا وفكريا يتزعزع تدريجيا لتصل الأمور إلى المساس باستقرار الجزائر وإدخالها في جحيم الإرهاب، وفي آلام المأساة الوطنية”.

أما القدوة التي يتعين الاقتداء بها، حسب الرئيس بوتفليقة، فيبقى إمام النهضة الجزائرية، عبد الحميد بن باديس، “الذي أخذ معاني الوطنية السامية، من الحضارة الراقية التي شهدتها مواقع في مختلف ربوع بلادنا الواسعة مما يدعو إلى الاعتزاز والفخر، فاستمد من ذلك كله منهجا للعمل، وخطة للإصلاح، ومسلكا للهُدى والفلاح”، تقوم على أسس “ثقافة الوسطية”.

رسالة الرئيس باتت تمثل خارطة طريق لقطاع الشؤون الدينية، الذي عجز عن محاصرة تغلغل هذه الظاهرة في المساجد ودور العبادة، رغم كثرة ضجيج وزير القطاع، الذي اكتفى بإطلاق تصريحات متناقضة، طبعها انتقاد طوائف متشددة، ثم التراجع عنها.

ويبدو أن كلمة الرئيس أفاقت محمد عيسى حقيقة على الواقع المأزوم، فقد قرر التحرك لمحاصرة الظاهرة من خلال مراقبة المدارس القرآنية غير المقننة، التي قدر عددها بحوالي 300 مدرسة، لا علاقة لها، كما قال، لا بالدين ولا بالتكوين القرآني.

المصدر