Connect with us

الجزائر صحافة

النّعمة التي لم نقدرها حقّ قدرها

النّعمة التي لم نقدرها حقّ قدرها

الشروق

النّعمة التي لم نقدرها حقّ قدرها

أجلّ نعمة نتقلّب فيها معاشر المسلمين، هي نعمة الهداية إلى الإسلام، ولكنّ كثيرا منّا لم يقدروا هذه حقّ قدرها. نحن لم نقدم دينارا ولا درهما ولم نبذل أيّ جهد لنكون مسلمين.. ولدنا في بيئة مسلمة، ووجدنا النّاس من حولنا مسلمين، فورثنا الإسلام كما يورث المتاع، ولم نجد له حلاوة ولم نستشعر نعمة الهداية إليه، فغفلنا عن شكر الله عليه، وتعاملنا معه بفتور واستهتار، وأضعنا كثيرا من شعائره وآدابه، بل وفرائضه وأركانه.
لقد طال علينا الأمد وقست قلوبنا إلا من رحم الله منّا، وما عدنا نجد لديننا حلاوة ولا طعما.. أصبح الدّين بالنسبة إلينا لا يختلف كثيرا عن العادات اليومية التي ورثناها أو أخذناها من المجتمع من حولنا.. نصوم ولا نجد للصّيام أثرا في جوارحنا وسلوكنا وأخلاقنا.. ونصلّي ولا نجد للصّلاة وقعا على أرواحنا وقلوبنا وفي معاملاتنا.. نخرج من المساجد كما دخلنا، ونخرج من رمضان كما دخلنا، ونحجّ ونعود من الحجّ كما ذهبنا.. بل إنّ منّا من أصبح الدّين ثقيلا على نفسه يتحرّج منه ويستحي من بعض شعائره، ويجد لنفسه الأعذار والمبرّرات ليتخلّى عن واجباته وفرائضه.. بعض إخواننا المسلمين هدانا الله وإياهم؛ يسافرون إلى بلاد الغرب ليقترفوا الموبقات ويقدّموا صورة سيئة عن الإسلام والمسلمين، في الوقت الذي كان يفترض فيهم أن يحملوا الإسلام إلى تلك البلاد ويكونوا رسل خير له، يدعون إليه بأخلاقهم وأمانتهم وحفظهم لعهودهم وعفّتهم.. بل إنّ من المسلمين في هذا الزّمان من فهموا الحضارة على غير حقيقتها وظنّوا أنّها تعني التحرّر من كلّ القيود، والقفز على كلّ الحدود، والإيمان بالمادّة والملموس وإنكار الغيب والمحسوس.
كثير هم المسلمون الذين أصبح الإسلام حملا ثقيلا يحملونه على كواهلهم، وربّما منهم من بلغ به الأمر إلى حدّ يتمنّى معه أن لو لم يكن مسلما.. بينما يعيش المسلمون الجدد في الغرب الإسلام بأرواحهم وقلوبهم وأخلاقهم وأفعالهم؛ قلوبهم تخفق وأرواحهم تهفو وعيونهم تبكي وألسنتهم تلهج بالشّكر لله على أن هداهم لهذا الدّين العظيم الذي وجدوا معه برد اليقين بعد رحلة الشكّ والحيرة.
يروي أحد الدّعاة المصريين قصّة عايشها مع دكتور ياباني أصبح بعد إسلامه يسمّى “أحمد تاكيدا”، يقول: كنا نتجول معًا في شوارع القاهرة الصاخبة وفي أكثر الأماكن صَخَبًا يستوقفني ويقول لي: محمد نريد مسجدًا للصلاة، وجدنا مسجدًا صغيرًا صلّينا فيه، وبعد الصلاة يقول لي: تعرِف يا محمد، منذ اعتناقي الإسلام وإلى الآن، عندما أقول الله أكبر مفتتحًا الصلاة فإنني أغادر الدنيا ولا أسمع كلَّ ما حولي من ضجيجٍ وأشعر أنني بمعية الله، أشعر أنه يسمعني وأنه يخاطبني.. وقال لي: سبحان الله! كل هذا الضجيج الذي حولنا الآن يغيب في لحظة سكونٍ ونحن في الصلاة.. وقال لي مرة: أخي، ما يثير مشاعري ألمًا واستغرابًا وحزنًا وغضبا أن أسمع إنسانا يُقسم بالله على كلِّ أمر! أخي محمد، كيف يجرؤ الإنسان على أن يتحمل لسانه لفظ الجلالة مقسمًا به على أمور سخيفة؟!..أحمد كان سبب إسلامه جولة التي قام بها بحثا عن السعادة؛ لم يجدها في لندن ولا في حانات طوكيو، بل وجدها في قرية من قرى تايلاند إثر لقائه برجل فقير يكدح وعرقُه يتصبّب على جبينه من أجل لقمةِ يومه، عندما سأله أحمد كيف حالك قال: الحمد لله بنعمةٍ وفضل. فتعجب أحمد متسائلاً: وأين النعمة والفضل؟ قال: بما أنّ الله أراد لي هذا فإنني إذن في نعمة وفضل.. ألذُّ شعورٍ عاشه أحمد، كما قال، عندما جرّب السجود مع أحد المسلمين.. واليوم، أخونا أحمد، المتمكن من العربية، والمتقن لتلاوة كتاب الله، أستاذ في الجامعة، يطوف في كل سنة في بلد من البلدان باحثًا ومنقِّبًا عن تراثنا النحوي واللغوي عامّة، وهو الحاصل على الدرجة الأولى في قسم اللغة الإنكليزية؛ لأنَّ طموحه أن يُكتبَ على قبره: “هنا يرقد النّحوي الياباني أحمد تاكيدا”.
هكذا يعيش المسلمون الجدد الإسلام بقلوبهم وأرواحهم، ويجدون الخشوع والخضوع لله، على النّقيض ممّا نعيشه نحن الذين ورثنا الإسلام؛ حين أضعنا الخشوع في الصلاة وما عدنا نهتمّ به إلا من رحم الله منّا، وأصبحت الصّلاة حملا ثقيلا نحرص على أن نتخلّص منه في أسرع وقت لنتفرّغ لدنيانا ومشاغلها وأحاديثها.. أصبحت بيوت الله أثقل الأماكن على قلوبنا وأرواحنا؛ يدخل الواحد منّا إلى المسجد وهو يتمنّى أن يخرج منه في أسرع وقت. يتمنّى للإمام أن يقرأ بأقصر السّور، ويتمنّى للخطيب ألا تتجاوز خطبته دقائق معدودة. لا يسمع من خطبة الإمام قليلا ولا كثيرا. كأنّ مواضيع الخطب لا تعنيه وكأنّه مستغن عن الوعظ والتّذكير!
آن الأوان لأن نجدّد قلوبنا ونراجع حالنا مع ديننا قبل أن نكون ممّن قال لهم الله: ((ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَة))، ونكون من الذين خوّفنا الله من حالهم حين قال سبحانه: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُون)).
آن الأوان لأن نكفّ عن التعامل مع ديننا كأنّه حمل ثقيل، ونكفّ عن التذبذب والمراوغة في ديننا؛ نصلّي في المساجد ونردّد الله أكبر 5 مرات في كلّ ركعة، ثمّ يعادي بعضنا بعضا لأجل دنيا فانية هي أحون وأحقر من أن نحزن لأجلها فضلا عن أن نتعادى بسببها.. يصلّي بعض شبابنا في المساجد ثمّ يخرجون إلى الشّوارع والطّرقات ليترصّدوا الغاديات والرائحات ويتشبّبوا بالعابثات واللاهيات.. نأنف من شرب الخمور، لكنّنا نأكل الحرام في أماكن العمل وفي البيع والشّراء.
الإسلام نعمة هي أجلّ وأعظم النّعم، ينبغي أن نشكر الله عليها باللّيل والنّهار، ونسعى لنحوّل الدّين إلى واقع في حياتنا ويومياتنا.. الإسلام ليس كلمات نردّدها من حين إلى آخر، وليس كلمات نسمعها مرّة في الأسبوع من خطيب الجمعة.. الإسلام ينبغي أن يتحوّل إلى حياة.. الإسلام ينبغي أن يكون همّا وخلقا وعبادة ومعاملة، في بيوتنا وأسواقنا وأماكن عملنا.. كما ينبغي أن ندعو الله باللّيل والنّهار أن يثبّتنا على دينه الحقّ ويختم لنا بشهادة التّوحيد، خاصّة وأنّنا نعيش زمانا كثرت فيه الفتن وأسباب قسوة القلوب، وربّما هو الزّمان الذي أخبر عنه المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم حينما قال: “بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا” (رواه مسلم).. ونحن نرى كيف ينقلب بعض المسلمين على أعقابهم ويتنكّرون لدينهم ويستهترون به لأجل مال أو منصب أو شهوة، ونرى في زماننا هذا كيف وصل الهوان ببعض المتزلّفين المتملّقين إلى حدّ يرفعون فيه من يتملّقونهم ويتزلّفون إليهم إلى مصافّ المصلحين والمجدّدين والأنبياء والمرسلين، ولعلّ الأمر سيصل بهؤلاء المتملّقين إلى أن يرفعوا أولياءهم إلى مقام الربوبية والألوهية، وعند ذاك يتحقّق ما أخبر عنه النبيّ عليه الصّلاة والسّلام حينما قال: “لا يذهب الليل والنّهار حتى تعبد اللات والعزى”. قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله! إن كنت لأظنّ حين أنزل الله ((هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون)) أنّ ذلك تاما. فقال عليه الصّلاة والسّلام: “إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحا طيبة فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم”.


Continue Reading

أخبار الشروق

To Top