fbpx
Connect with us

الجزائر صحافة

هذه قصة الطباخة التي أنقـذت مسلمي البوسنة من الموت جوعا؟

الشروق

هذه قصة الطباخة التي أنقـذت مسلمي البوسنة من الموت جوعا؟

رغم مرور أكثر من عقدين من الزمن، لا تزال صور المذابح التي نفذها الصرب بحق مسلمي البوسنة والهرسك ماثلة في أذهان العالم الذي أصابه الذهول وهو يرى سفاحي الصرب يركلون رؤوس المسلمين المقطوعة بأقدامهم في الشوارع مثل كرة القدم، استجابة لملحمة شعرية تدرس للأطفال في المدارس، يقول مقطعها الأخير: “وليطر رأس كل من يؤمن بدين الكلاب ويتبع محمداً”.


وحتى بالنسبة للأجيال البوسنية التي لم تشهد هذه الإبادة الجماعية لأنها كانت بعيدة عن مسرح المجازر، كان بوسعها أن تطلع على تفاصيل دقيقة غارقة في الفظاعة والدموية والهمجية.

وبالنظر إلى كل ما حدث في تسعينات القرن الماضي، يعيش مسلمو البوسنة إلى اليوم مرحلة صعبة من حياتهم، وهي تلك المتعلقة بلملمة جراحات الماضي الأليمة ومحاولة تجاوز ما خلفته من آلام نفسية غائرة، حتى وإن كانت المقابر الجماعية التي دفن فيها الآلاف من ضحايا همجية الصرب المدعومين من قوى إقليمية ودولية، ما زالت تروي صفحات من العنف والدمار الذي تعرض له المسلمون على مرأى ومسمع منظمات المجتمع الدولي وهيئاته، بما في ذلك مجلس الأمن الدولي الذي يفترض فيه أن يكون راعي السلم والأمن الدوليين.

وفي هذا الجزء من الحوار، الذي أجرته معها “جواهر الشروق”، تحدثت الصحفية البوسنية مريم تولتش عن بعض ما جرى في بلدها في تلك الفترة، في وقت كانت تعيش فيه لاجئة مع أسرتها في الأردن، والخطر الذي واجهه أقاربها المحاصرون في سراييفو، وروت مريم قصة الخالة “زيلها” التي استطاعت أن تنـقـذ البوسنيين من الموت جوعا.

هل تتذكرين ما جرى في بلدتكم حين بدأ الصرب ينفذون مجازرهم في البوسنة؟

لم أكن في تلك الفترة موجودة في البوسنة، كنت في الأردن بسبب لجوء أهلي إليها قبل ذلك، وكنت واعية لما يجري، أذكر التّوتّر الكبير والخوف الذي عشناه على مصير أسرتنا هناك، إذ كانوا محاصَرين في سراييفو، والاتصال بهم صعب جداً، أذكر أني تكلمت مع جدّي على الهاتف وكان الصّوت متقطّعاً ومشوّشاً بصورة كبيرة، كانت تصلنا رسائل منهم عبر الصّليب الأحمر، كتبت في إحداها خالتي الصّغرى أنّها تريد الخروج من سراييفو بأي ثمن، وكان الدّواء غير متوفر لديهم، فتولّى أبي وأمّي إرسال الأدوية الضّرورية لجدّتي بطرق صعبة غير مضمونة. وأيضاً في تلك الفترة، قدمت مجموعة من اللاجئين البوسنيين للأردن في ضيافة الهيئة الخيريّة الهاشميّة، من ضمنهم امرأة اصطحبت طفلتها للعلاج بسبب إصابتها البالغة في عينها حين سقطت قذيفة صربية على مجموعة من الأطفال يلعبون أمام البيت فقتلتهم كلّهم باستثناء الطّفلة، كنت أزور هؤلاء الـلّاجئين بصحبة والداي وأستمع للقصص المؤلمة التي يخبروننا بها، فالكلّ تقريباً فقد إما الأب أو الأم أو الأخ، وكان أقراني منهم يحدّثونني عن الذّعر الذي عاشوه حين تمّ الهجوم على قريتهم، واحدة منهم روت لي كيف أجبر إخوتها على مغادرة منزلهم والسّكّين على رقبة كل واحد.

ما الذي دعاكم إلى مغادرة البوسنة بشكل عاجل والبحث عن مكان آمن؟

في مارس عام 1983 جرت ملاحقة لناشطين مسلمين في البوسنة من قبل النّظام الشيوعي فيما عرف حينها ب “قضية سراييفو“، والمتّهم الأول فيها كان الرئيس السّابق علي عزت بيغوفتش رحمه الله، كان والدي ضمن الشّباب المطلوبين، والتّحقيقات كانت تجري بشكل يخالف حقوق الإنسان وتمتدّ لتشمل أقارب المطلوب وأصدقائه، ويتمّ تلفيق التّهم بإجبارهم على التّوقيع على أشياء لم تحدث تحت طائلة التّهديد والعنف الجسديّ، فقرّر والداي مغادرة يوغسلافيا آنذاك قبل أن تصل إليهما الشّرطة، أو تعمّم صورتهما على الحدود.

أسرة خالتك كانت في مدينة فوتشا أثناء المجازر، ما الذي بلغكم عنها؟

فوتشا مدينة تقع في شرق البوسنة، وكانت من أوائل المدن التي اقتحمها الصّرب، كانت خالتي حينها في زيارة لدار جدّي في سراييفو، ولكن طفلاها وزوجها بقيا هناك، يوم هجوم القوّات الصّربية عليها تمكنت عمة أولاد خالتي من اصطحابهما بسيّارتها نحو الطّريق المؤدي لسراييفو، مع آلاف الهاربين من فوتشا، وأطلقت القوات الصربية النار على عجلات السّيّارة لمحاولة إعاقتهم من الفرار، ولكنهم تمكنوا من الوصول، أمّا زوج خالتي فقد كان أثناء اقتحام القوّات الصّربية للمدينة في وظيفته كطبيب للقلب، هاجمت القوّات الصربية المستشفى وأسرت جميع الأطباء وأجبروهم على العمل في مساعدتهم، وبقي أسيراً لديهم حتى ساعده قسيس كان صديقاً له على الهرب. مدينة فوتشا كانت نسبة المسلمين فيها 50 بالمائة تقريباً، قام الصرب فيها بالتّطهير العرقي فلم يبق فيها مسلم واحد.

ما هي قصة الخالة زيلها التي حاورتها في سراييفو؟


الخالة زيلها كانت تعمل طبّاخة في سراييفو، وأثناء الحرب عانت المدينة من حصار قاس، يعتبر أطول حصار تتعرض له المدينة في العصر الحديث، ونتيجة ذلك الحصار عانى الناس من الجوع لعدم توفر المواد الغذائية، وعدم توفر الوقود للطبخ، قرّرت الخالة زيلها مع مجموعة صغيرة من أصدقائها تأسيس “المطبخ الشّعبي“، فجمعوا كل ما تحتويه ثلاجاتهم وثلاجات أصدقائهم، وبدأت تطبخ كل يوم وجبة كبيرة توزّعها على سكان المدينة المحتاجين، وكبر المشروع حتى وصل عدد المستفيدين إلى أكثر من ستة آلاف شخص، وبفضل عملها أنقذت العديدين من الموت جوعاً، وبعد انتهاء الحصار استمرت في عملها ومازالت قائمة على رأس المطبخ الشعبي الذي يقدم وجبات يومية للمعوزين.

المصدر

Continue Reading

أخبار الشروق

To Top